الذكاء الاصطناعي يُجفف العالم: الوجه الخفي للثورة الرقمية – آراء ومقالات

الذكاء الاصطناعي يُجفف العالم: الوجه الخفي للثورة الرقمية
يُحدث التطور السريع لأنظمة الذكاء الاصطناعي ثورةً غير مسبوقة في عالم التكنولوجيا، فالذكاء الاصطناعي الذي يتغلغل في كل جوانب حياتنا، من برامج الدردشة الآلية، والمركبات ذاتية القيادة، إلى التشخيص الطبي والتحليل المالي، ليس مجرد كيان افتراضي كما هو شائع، فخلف كل صورة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي أو ترجمة آلية لنص، أو نموذج تنبؤي، تكمن بنية تحتية مادية ضخمة تستهلك كميات هائلة من الطاقة والمياه.
بيانات عطشى
تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على مراكز البيانات، وهي مرافق ضخمة مليئة بالخوادم التي تُعالج وتُخزّن المعلومات على مدار الساعة.
تُولّد هذه الخوادم حرارة شديدة، تتطلب تبريدًا مستمرًا لضمان عملها بأمان، ويعتمد هذا التبريد في كثير من الحالات على أنظمة قائمة على المياه العذبة، بما في ذلك أبراج التبريد البخاري التي تستمد المياه من الأنهار أو البحيرات أو طبقات المياه الجوفية.
التوسع السريع للذكاء الاصطناعي قد يُفاقم ندرة المياه العالمية في وقت يعاني فيه مليارات البشر بالفعل من ضغوط مائية شديدة.
يمكن لمركز بيانات فائق السعة بقدرة 100 ميغاواط أن يستهلك حوالي 2.5 مليار لتر من الماء سنويًا لتبريد الخوادم، وهو ما يُعادل الاحتياجات السنوية لأكثر من 80 ألف شخص.
وتشير التقديرات إلى أن إنشاء بريد إلكتروني مكون من 100 كلمة باستخدام نموذج GPT-4 التابع لشركة Open AI – وهي مهمة تتضمن آلاف العمليات الحسابية لتحديد أنسب مجموعة من الكلمات – يستهلك ما يعادل زجاجة ماء سعتها 500 مل، وهذا مثال واضح على البصمة البيئية الكبيرة التي تتركها التكنولوجيا الذكية.
إلى جانب عمليات التبريد، يستهلك الذكاء الاصطناعي المياه بشكل غير مباشر من خلال توليد الكهرباء، فمحطات توليد الطاقة سواءً كانت تعمل بالفحم أو الغاز أو الطاقة النووية أو حتى بعض مصادر الطاقة المتجددة، تتطلب كميات كبيرة من المياه للتبريد والتشغيل. ومع ازدياد الطلب العالمي على الكهرباء نتيجةً للذكاء الاصطناعي، يرتفع استهلاكه غير المباشر للمياه بالتوازي مع استهلاك الطاقة، ويُشكِّل هذا جزءًا كبيرًا من البصمة المائية الخفيّة للذكاء الاصطناعي.
في الوقت ذاته، تُعدّ صناعة أشباه الموصلات، التي تُنتج الرقائق التي تُشغّل الذكاء الاصطناعي، مستهلكًا رئيسيًا آخر للمياه، إذ تتطلب مصانع تصنيع أشباه الموصلات كميات هائلة من المياه فائقة النقاء، مما يشّكل ضغطًا إضافيًا على شبكات المياه المحلية، لا سيما خلال مواسم الجفاف.
يفيد تقرير حديث صادر عن مؤسسة “نيتشر فاينانس” بأن مراكز البيانات أصبحت من أكثر القطاعات استهلاكًا للمياه العذبة، في وقت يُتوقع فيه أن يتجاوز الطلب العالمي على المياه العذبة العرض بنسبة 40% بحلول نهاية العقد.
ويضيف التقرير أن 45% من هذه المراكز تقع في أحواض أنهار حيث يُمثل توفر المياه خطرًا كبيرًا.
أزمة بيئية تتوسع بصمت
تشير تحليلات حديثة إلى أن استهلاك المياه العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات قد يتضاعف عدة مرات بحلول نهاية هذا العقد إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
تشير الأبحاث إلى أن استهلاك أنظمة الذكاء الاصطناعي العالمية للمياه قد يصل إلى ما بين 4.2 و6.6 مليار متر مكعب بحلول عام 2027، ويعادل هذا الرقم أكثر من نصف إجمالي الاستهلاك السنوي للمياه في بعض الدول الصغيرة.
من المتوقع وصول استهلاك المياه في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من 1068 مليار لتر سنويًا بحلول عام 2028.
على سبيل المثال، استهلكت مراكز بيانات غوغل في جميع أنحاء العالم ما يقرب من 22.7 مليار لتر من المياه في عام 2024، وأظهر “التقرير البيئي لعام 2024” للشركة زيادة سنوية بنسبة 8% في استهلاك المياه، مدفوعة بالتقدم في وظائف البحث والذكاء الاصطناعي ومشاريع أخرى.
ويتوقع تقرير صادر عن مورغان ستانلي أن يرتفع استهلاك المياه في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أحد عشر ضعفًا بحلول عام 2028، ليصل إلى أكثر من 1068 مليار لتر سنويًا مع ازدياد الطلب على الذكاء الاصطناعي، بزيادة قدرها 11 ضعفًا عن تقديرات عام 2024.
على الرغم من هذه الأرقام، لا يزال استهلاك المياه بواسطة الذكاء الاصطناعي غير مُنظّم إلى حد كبير وغير مُبلّغ عنه بشكل كاف، وعلى عكس انبعاثات الكربون التي يتم تتبعها والإفصاح عنها بشكل متزايد، غالبًا ما تكون بيانات استهلاك المياه غامضة، مما يُصعّب على الجهات التنظيمية والخبراء تقييم الآثار البيئية الحقيقية.
العواقب البيئية والاجتماعية
تتجاوز هذه التداعيات حدود التكنولوجيا، فزيادة سحب المياه قد تُؤدي إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية، وتقليل تدفق الأنهار، وتهديد النظم البيئية المائية.
وفي المناطق التي تُعاني من ندرة المياه، يُمكن أن يُفاقم ذلك انعدام الأمن الغذائي من خلال الحد من الري، ويزيد من التوترات الاجتماعية بشأن الحصول على المياه النظيفة، ويخلق منافسة بين مراكز البيانات والمجتمعات المحلية على مياه الشرب والزراعة والنظم البيئية.
تثير مراكز البيانات المبنية بالقرب من البحيرات العظمى مخاوف جدية، لأنها تتطلب كميات كبيرة من المياه العذبة للتبريد، في حين أن منسوب البحيرات – الذي يشهد انخفاضًا بالفعل – يُعدّ بالغ الأهمية للمجتمعات المحلية والنظم البيئية.
إحدى المدن التي تتجلى فيها هذه المشكلة هي مدينة فينيكس في ولاية أريزونا الأمريكية، والتي تُعدّ واحدة من أسرع المناطق الحضرية نموًا في الولايات المتحدة، ومركزًا مزدهرًا لمراكز البيانات، حيث تضم أكثر من 150 منشأة إما قيد التشغيل أو في مراحل التخطيط، ومن المتوقع أن يؤدي التوسع في عمليات مراكز البيانات إلى زيادة حادة في الضغط على المياه في منطقة تعاني أصلًا من الجفاف.
يرى المنتقدون أن إنشاء بنية تحتية رقمية كثيفة الاستهلاك للمياه في مناطق تعاني من شحّ المياه يُنذر بتفاقم عدم المساواة، إذ يتحمل السكان المحليون التكاليف البيئية بينما تجني شركات التكنولوجيا العالمية الأرباح.
البحث عن حلول
تسعى شركات التكنولوجيا العملاقة والباحثون إلى تطوير حلول مستدامة لمواجهة تزايد استهلاك أنظمة الذكاء الاصطناعي للمياه.
ومن بين الأساليب التي يتم التركيز عليها أنظمة التبريد الفعّالة التي تستهلك كميات أقل من المياه، واستخدام المياه غير الصالحة للشرب في عمليات التبريد، واستخدام الحرارة المتولدة من مراكز البيانات لتدفئة المباني المحيطة، وإنشاء مراكز البيانات في مناطق غنية بالموارد المائية أو بالقرب من مصادر الطاقة المتجددة.
كما بدأت بعض شركات التكنولوجيا في استكشاف بدائل، بما في ذلك التبريد الهوائي، وأنظمة إعادة تدوير المياه، وإنشاء مراكز البيانات في مناطق أكثر برودة، وتعهدت شركات أخرى بأن تُصبح مُنتجة للمياه من خلال تعويض كمية من المياه تفوق ما تستهلكه، ومع ذلك، يُجادل النقاد بأن الالتزامات الطوعية غير كافية دون رصد مستقل ولوائح مُلزمة.
يدعو الخبراء بشكل متزايد إلى فرض الإبلاغ الإلزامي عن استخدام المياه، وإجراء تقييمات أكثر صرامة للأثر البيئي، ودمج استدامة المياه في أطر السياسات الرقمية، إلى جانب أهداف المناخ، قبل أن يتحول التقدم التكنولوجي إلى عامل غير متوقع في ندرة المياه.
أسئلة شائعة
- ما هي بصمة الذكاء الاصطناعي على المياه؟
- تتطلب أنظمة الذكاء الاصطناعي كميات كبيرة من المياه لتبريد الخوادم وتوليد الكهرباء، مما يؤدي إلى ضغط على موارد المياه العذبة.
- كيف يساهم الذكاء الاصطناعي في أزمة المياه؟
- يؤدي التوسع السريع للذكاء الاصطناعي إلى زيادة الطلب على المياه، محذرًا من تفاقم ندرة المياه.
- ما هي الآثار البيئية لاستهلاك المياه في مراكز البيانات؟
- يمكن أن تؤدي هذه الممارسات إلى تدهور النظم البيئية، وانخفاض منسوب المياه الجوفية، وزيادة التوترات الاجتماعية.
- ما هي الحلول المقترحة لتقليل استهلاك المياه في الذكاء الاصطناعي؟
- تشمل الحلول تطوير أنظمة تبريد أخرى، واستخدام المياه غير القابلة للشرب، ورفع كفاءة استخدام المياه.
- هل يتم تنظيم استهلاك المياه في مراكز البيانات؟
- لا يزال استهلاك المياه غير مُنظّم غالبًا، مما يُصعب تقييم الآثار البيئية الحقيقية.



